الشيخ محمد رشيد رضا
89
الوحي المحمدي
القول الحق في استعداد محمد صلّى اللّه عليه وسلم للنبوة والوحي التحقيق في صفة حال محمد صلّى اللّه عليه وسلم من أول نشأته ، وإعداد اللّه تعالى إياه لنبوته ورسالته : هو أنه خلقه كامل الفطرة ؛ ليبعثه بدين الفطرة ، وأنه خلقه كامل العقل الاستقلالى الهيولاني ليبعثه بدين العقل المستقل والنظر العلمي ، وأنه كمل بمعالى الأخلاق ، ليبعثه متمما لمكارم الأخلاق ، وأنه بغّض إليه الوثنية وخرافات أهلها ورذائلهم من صغر سنه ، وحبب إليه العزلة حتى لا تأنس نفسه بشيء يتنافسون فيه من الشهوات واللذات البدنية ، أو منكرات القوة الوحشية ، كسفك الدماء ، والبغى على النّاس ، أو المطامع الدنيئة كأكل أموال الناس بالباطل - ليبعثه مصلحا لما فسد من أنفس الناس ، ومزكيا له بالتأسي به ، وجعله المثل البشرى الأعلى ، لتنفيذ ما يوحيه إليه من الشرع الأعلى . فكان من عفته أن سلخ من سنى شبابه وفراغه خمسا وعشرين سنة مع زوجته خديجة كانت في عشر منها كهلة نصفا أم أولاد ، وفي 15 منها عجوزا يائسة من النسل ، فتوفيت في الخامسة والستين وهي أحبّ الناس إليه ، وظلّ يذكرها ويفضّلها على جميع من تزوّج بهن من بعدها ، حتى عائشة بنت الصديق على جمالها وحداثتها وذكائها ، وكمال استعدادها للتبليغ عنه ، ومكانة والدها العليا في أصحابه ، وظلّ طول عمره يكره سفك الدماء ولو بالحقّ ، فكان على شجاعته الكاملة ، يقود أصحابه لقتال أعداء اللّه وأعدائه المعتدين عليه وعليهم ، لأجل صدّهم عن دينه ، ولكنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا منهم ( هو أبىّ بن خلف ) كان موطنا نفسه على قتله صلّى اللّه عليه وسلم فهجم عليه وهو مدجج بالحديد من مغفر ودرع ، فلم يجد صلّى اللّه عليه وسلم بدا من قتله فطعنه في ترقوته من خلال الدرع والمغفر فقتله ، وظل طول عمره ثابتا على أخلاقه من الزهد والجود والإيثار ، فكان بعد ما أفاء اللّه عليه من غنائم المشركين واليهود يؤثر التقشف وشظف العيش على نعمته ، مع إباحة شرعه لأكل الطيّبات ونهيه عن تركها تدينا ، وكان يرفع ثوبه ويخصف نعله ، مع إباحة دينه للزينة وأمره بها عند كلّ مسجد وكان يساعد أهل بيته على خدمة الدار . أكمل اللّه استعداده الفطري الوهبى « لا الكسبى » للبعثة بإكمال دين النبيين ، والمرسلين . والتشريع الكافي الكافل لإصلاح جميع البشر إلى يوم الدين ، وجعله حجّة على جميع العالمين بأن أنشأه كأكثر قومه أميا ، وصرفه في أميته عن اكتساب أي شئ من علوم البشر